الصفحة الرئيسية

SmartTutorial is developed by The SmartFactory (http://www.smartfactory.ca), a division of InBox Solutions (http://www.inboxsolutions.net)
قصة وتعليق > بر الوالدين > عذراً يا والدي (3)
عذراً يا والدي (3)
نشره شيخ0صباح في 10/07/2008 (409 عدد القراءات)
عذراً يا والدي (3)
بقلم الشيخ صباح محمد حيدر العدواني
من خلال هذه القصة ؛ أُناشدُ كل من له ضمير و كل من يقرأ هذه القصة أن يلتفت إلى ألآباء وألأًُمهات الذين هم دائماً محتاجون إلي أولادهمً ( بغض النظر عن المال والماديات )وحذار من التجاوز على حقوقهم ، وأن يتَّبعوا وصية الله فيهم من خلال قوله تعالى من سورة الإسراء : ( وقَضَى رَبُكَ أن لا تَعبُدُوا إلا إيَّاهُ وبِالوَالِدَينِ إحسَانا )
هذه القصة من واقع حياتنا اليومية ؛ جرت في مدينة الموصل في الخمسينيات ، وقد تأثرتُ بها جدا ، وهي تمثل بدرجة كبيرة واقعنا المر، وتشمل شريحة كبيرة من شرائح مجتمعنا 0
( راوي هذه القصة مدرسة - من العائلة )
تقول : كانت عائلتنا تتكون من ستة أشخاص ؛ أبي وأمي وأربعة أولاد ؛ كنت الوحيدة المتعلمة من بين إخوتي، طبعاً بعد أبي الذي كان يحمل شهادة القانون
قالت : أتذكر عندما أصرَّ والدي على إبقائي في المدرسة ؛ متخطيا العادة السيئة التي كانت تسيطر على بعض الآباء ؛ الذين كانوا يحرمون البنت أن تتعدى بدراستها أكثر من الصف السادس ابتدائي على أكثر تقدير 0
تقول :

كنت أشعر دائماً أن هناك شيئا ما سيحصل في حياتي و حياة أُسرتي .
وذلك لأنَّ كلُّ ما كان يدور في حياتنا مؤخراً يدل على ذلك ، فقد أصبح الوالد يترك البيت كثيراً بحثاً عن مكان ينسيه همومه والواقع المرّ الذي فُرض عليه 0

وبصراحة أقولها : قد ابتليَّ أبي المسكين بزوجة غير متعلمة وغير مطلعة ولا تعرف قيمة الحياة الزوجية 0
كانت بعيدة كل البعد عن الوالد في كل شيء مع الأسف وهذا هو السبب الذي جعل بين أبي وأمي تلك الفجوة الكبيرة 0
وبمرور الوقت أصبحت عيشتنا لا تطاق إذ اتسعت الخلافات بينهما ، وحقيقة لم نكن نتصور يوماً أن هذه الخلافات ستصل إلى هذا الحد ، الأمر الذي جعل أبي يفكر في الزواج مرَّة ثانية0
ونحن لم نكن قادرين على تصور فكرة أن يتزوج الوالد من زوجة ثانية !! وكنا نعتقد أنَّ سنوات زواجهم الأربعين لا يمكن أن تهزها الزوابع 0
كنا نشعر بالحزن الشديد على وضع أبي ووضعنا ، وفيما سيؤول اليه أمرنا نتيجة هذا التشتت.... وأخيراً تزوج أبي من زوجة ثانية... ازدادت آلامنا وأحزاننا
لقد اعتبرنا زواج الوالد من امرأة ثانية تعدٍ على حقوقنا وحقوق والدتنا ، فوقفنا منه موقفا سلبيا ، وبالتالي أصبح بيننا وبينه فجوة كبيرة 0
وكان الوالد يقول: لقد ضاعت قضيتي بين زوجة جاحدة ، وأولاد لا يعرفون معنى البِرَّ الحقيقي لأبيهم ، وكان يعذرنا ويصبر علينا 0
ومرَّت الأيام ؛ وكنت أشعر بحزن كبير تجاه عائلتي ، ورغم أن الجرح لا يزال في قلوبنا ؛ لكننا بدأنا نعتاد على الفجوة التي خلَّفها غياب الوالد المستمر عن البيت وحزن الوالدة الدائم، فقد كانت تحس دائماً أنها مظلومة مع والدي 0
لقد تصورنا أول الأمر بأننا قد فقدناه للأبد، وهنا أريد أن أسجل حقيقة مع الأسف لا يعرفها كثيرٌ من الناس ؟ وهي أنَّه مهما حصل ومهما ابتعد الأب ومهما حدث بينه وبين أولاده ؛ فإنَّه دائماً محتاج لمحبة أولاده وصلتهم بغض النظر عن الماديات0
وذات يوم جاءنا الوالد إلى البيت وأصرَّ على أخذنا أنا وإخوتي معه في زيارةٍ عنده الى بيته الجديد للتعرف على زوجته 0
كان لقاء جامداً بيننا في أول الأمر رغم أنَّ زوجة الوالد حاولت التودد والتقرب إلينا وأعطتنا هدايا كثيرة. قال لنا الوالد إنَّ (حنان) هي التي أحضرت لكم هذه الهدايا بنفسها وقال لي كنتُ مشتاقاً جداً لهذا اللقاء يا ابنتي ، وكنت أشعر أنكم حانقون علي بشدة وأعرف أنكم تقولون لماذا يتركنا أبونا ويرحل إلى زوجة ثانية ولكن أنت تعرفين كم قاسيتُ طوال حياتي مع أُمكِ وأنت متعلمة وطبعا تفهمين، فأرجوا أن تسامحيني ، رغم أني لم أفعل غير الصواب 0
وفي يوم صارحت أبي ؛ قلت له وأنا أبكي بحرقة: كنت أعلم أني أحبك ولا أود أن أبتعد عنك هكذا ، وكنت اعلم بأني مقصرة بحقك ولكن لم أكن أستطيع أن أُغيِّر شيئا يا أبي ، وتمنيت لو أفتح عيني يوما فأجد نفسي قد استيقظت من حلمٍ مزعج، وتعود إلينا يا أبي كما كنت من قبل ؛ فنحن نحبك ونعرف أنك تحبنا. قال لي أراكِ تغيرتِ كثيرا فما سبب هذا التغيّر؟ قلتُ له قبل أيام قلائل سمعتُ خطبة من أحد المشايخ يوم الجمعة ؛ كانت خطبة رائعة عن برِّ الوالدين ؛ لقد هزني كلامه من الأعماق وأيقظني من سبات عميق ، وفجأة أحسست بأني حقيرة وصغيرة جداً وأتفه من أي مخلوق على الأرض 0
والله يا أبي كنت أخاطب نفسي حين ابتعدنا عنك وأقول : يا الله !! أيعقل ما قمتُ به بحقك من نكران وجحود ؟ لا لسبب غير أنه لم يُكتب لكما أنت وأمي أن تعيشا معاً ، أنقرر مقاطعتك ونسيان كل أفضالك علينا لمجرد انسحابك من حياة أمي ؛ هل يعقل أن أشنّ عليك تلك الحرب الظالمة ؟ ثمَّ أخذتُ ألوم نفسي وأسألها وأحاسبها إنه لم يسئ إلينا بأي شكل و لم يقصِّر في حقوقنا ولا في تربيتنا ولم يبخل علينا يوماً بأي شيء نحتاجه ، حتى بعد أن تركنا بل إنه دائما يحاول أن يتقرب إلينا و يرانا ويصرُّ أن يأخذنا لزيارته بينما نحن نرفض !! هل هذا عدل؟ ؛ يا الله كم أنا غبية ومتعجرفة !! فهل يعقل أن نجافي من كان السبب في وجودنا في هذه الحياة، وهو من سهر الليالي وربَّىَ وسهر على راحتنا حين كنا نمرض وهو من حرص على رعايتنا في الصغر وعلى مدى حياتنا ..
كنت أقول لنفسي يا أبي أبعد كل هذه الأفضال ولمجرد كونه اضطر لأسباب قاهرة أن ينفصل عن أمنا نقاطعه ونبتعد عنه هكذا ونتركه وحده ، وكنت أشارك أخوتي معي في هذا التفكير وعلى قدر فهمهم وكنا دائما نفكر في إيجاد حلٍ لمشكلتنا ، وبدأنا يا أبي نعيد حساباتنا ونفكر من جديد , وشعرنا بحنين كبير إليك وخفنا أن يقبضك الله قبل أن ترضى عنا. نعم نحن نعرف انك لا تزال متضايقاً بما واجهناك به من جفاء ونكران ؛ ولكننا متأكدون بانَّ قلبك الكبير لا يمكن أن يغضب علينا ، فنرجوك يا أبي أن تعفو عنا وعما بدر منا أنا وإخوتي ..

وبعد أن أفصحنا للوالد عن شعورنا واعتذارنا تغيَّرت أشياء كثيرة في حياتنا، ولم نعد نشعر بذلك الذنب والحزن وتأنيب الضمير الذي كاد يخنقنا وأصبحت حياتنا أكثر إشراقاً وراحة ، وأصبحنا نحرص على بَّره وصلته ونحاول إرضاءه بكل الوسائل 0 وأنجبت زوجة أبي طفلاً ؛ شعرنا للوهلة الأوُلى بشيء من الغيرة لأنها أنجبت ولداً من غير أمنا، ولكن مع الوقت شعرنا بارتياح جميل ؛ خاصة عندما أخذنا والدي عنده الى البيت ، وكانت زوجة الوالد طيبة جداً جزاها الله خيراً ، وذلك حينما جاءت بأخي الجديد ووضعته في أحضاننا أنا وإخوتي ففرحنا كثيرا وقبلناه مرارا 0
وانتهزت الفرصة ثانية لأعتذر من الوالد ؛ قلتُ له: أنا آسفة أرجوك سامحني عما بدر مني سابقا فمن المفترض اني الوحيدة التي أتفهم وضعك ، فقال ماذا هناك يا حبيبتي هل حصل شيء ؟ فقلتُ أبي أنا أحبك أقسم بالله أني أحبك 0
وانقطع صوتي لأني لم أعد أعرف ماذا أقول له ، وشهقت بالبكاء فصمت قليلاً ثم قال وأنا أيضاً أحبكم يا ابنتي العزيزة ؛ وأعرف تماماً لماذا كنتم تتصرفون معي هكذا وأعرف أن الأمر كان شديدا عليكم ، ولكن هذا قدر الله علينا وهذه مشيئته ولا اعتراض على حكمه 0
يا ابنتي أنا والد ولا أستطيع أن أبتعد عنكم أبدا وأنا أحبكم وسأظل أحبكم، ثقي بذلك ، قلتُ هل أنت راض عني إذاً ؟ قال نعم يا ابنتي العزيزة بارك الله فيكم فأنا راضٍ عنكم وحتى عن أمُّكم التي كانت السبب فيما حصل لنا ، نسأل الله تعالى أن يسامحنا ، ويسامحها ويهدينا جميعاً سواء السبيل 00

تنقل بين الدروس
الدرس السابق قصة الأم التى أرضعت طفلها وهي ميته
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع

 

الموقع وقف لله تعالى على نفقة: قبولة محمد الصحبي رحمها الله